مكتب المرجع الديني‏ الكبير

سماحة الشيخ فاضل المالكي‏ (دام ظله)‏

 

 

المقدمة

 

>وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ<. (العنكبوت : 69)

الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين  ، وبعد :

فانّ الاشادة بدور العلماء وتكريم شخصيّاتهم تصبّ في خدمة الحقّ والحقيقة ؛ خاصّة علماء الدين ؛ لكونهم قدوة وقادة... وانّهم ورثة الأنبياء ؛ الّذين تُناط بهم مكافحة الفساد والانحراف ، ومقارعة الباطل وتحقيق العدل ، ونشر العلم والفضيلة .

ولقد صال وجال في هذا الميدان عدد من الروّاد الأوائل من العلماء الأعلام الّذين جمعوا بين التدريس في الحوزة العلميّة ، والقاء المحاضرات المنبريّة ، فمثّلوا في ذلك ـ  وبحقّ ـ مدارس متحرّكة ، مُتنقّلة للشرع الاسلاميّ الأقدس، وعلى هدى مدرسة أهل البيت .

ويأتي في طليعة هؤلاء العلماء العاملين اُستاذنا المكرّم ، وشيخنا المعظّم سماحة آية اللّه الدكتور الشيخ فاضل المالكيّ حفظه اللّه تعالى؛ حيث كان ـ ولا زال ـ يمارس دوره الريادي  في الذبّ عن حياض الشريعة المقدّسة، وعرض مفاهيمها الحقة بصورتها الأصيلة الخالصة, والذود عن حرمات المسلمين، والسعي الحثيث لتحقيق الوحدة الإسلامية الكبرى .

لهذا دار في خَلَدي منذ فترةٍ ، بل رأيت من الضرورة بمكان كتابة سيرته الذاتيّة ، وترجمة قبساتٍ من حياته من أجل التعريف بشخصيّته المرموقة ؛ خصوصاً لدى الجيل الجديد الّذي يفتقر الى دراسة بعض الشخصيّات البارزة ؛ لاسيّما في عصرنا هذا الّذي كثر فيه التعتيم والاتّهام ، وشاع فيه طمس الحقّ وتشويه الحقيقة من قبل اُناسٍ لا يملكون التقوى الدينيّة ، وضدّ اُناسٍ لهم من المؤهّلات والكفاءات ما يجعلهم هدفاً للحاسدين وأصحاب المطامع الدنيويّة .

والّذي أرجوه من اللّه تعالى أن يوفّق علماءنا المخلصين العاملين في قيادتهم للمجتمع الاسلاميّ ، والوصول به الى ساحل النجاة ، ..  وأن ينفع بكتابنا المتواضع هذا اخواننا المؤمنين ، انّه تعالى ولي التوفيق والقبول .

صفاء الدين البصريّ


 نسبه وأُسرته‏

ينتمي سماحته الى اُسرةٍ كريمة عريقة تُعرف بـ ( آل سيف الدين المالكيّ الأشتريّ العلياويّ الجناجيّ الحلّيّ ) والمتفرّعة عن عشيرة ( آل عِلي ) ـ بكسر العين ـ احدى فروع قبيلة (بني مالك ) ذات الاُصول العربيّة الشامخة ، والأعراق العراقيّة الراسخة ، وهي القبيلة الذائعة الصيت ، الواسعة الانتشار في العراق وغيره من البلدان العربيّة ، بل ينتهي نسبه الآتي الى خيرة ( بني مالك ) وهم ذرّيّة البطل الاسلاميّ المجاهد النحرير ، والزعيم القائد الشهير مالك بن الحارث الأشتر النخعيّ رضوان اللّه عليه، صاحب الإمام أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام اللّه عليه ، وأحد أبرز حواريّيه ، والّذي قال فيه الامام  لمّا بلغه نبأ شهادته : ألا انّ مالك بن الحرث قد قضى نحبه ، وأوفى عهده ، ولقي ربّه ، فرحم اللّه مالكاً ، لو كان جبلاً لكان فنداً، ولو كان حجراً لكان صلداً ، للّه درّ مالك ، وما مالك ! وهل قامت النساء عن مثل مالك ! وهل موجود كمالك !

فلمّا نزل ودخل القصر أقبل عليه رجال من قريش وقالوا : لشدّ ما  جزعت عليه وقد هلك ؟! قال عليه السلام : أما واللّه انّ هلاكه قد أعزّ أهل المغرب ، وأذلّ أهل المشرق ! وبكى عليه أيّاماً ، وجزع عليه جزعاً شديداً وقال : لا أرى مثله بعده أبداً ، كان لي كما كنتُ لرسول اللّه !(1).

هذا من جهة ، ومن جهةٍ اُخرى تمتدّ اُصوله النسبيّة ، وأواصره السببيّة لتلتقي بنجوم العلم ، وأعلام الفقاهة والعقيدة.

ويتّضح لنا كلّ ذلك جليّاً من خلال الاطّلاع على سلسلة نسبه الشريف ؛ فهو الشيخ فاضل بن الحاج جواد بن الحاج عليّ بن الحاج جاسم بن محمّد بن مهنّأ بن حسين بن قاطع بن الشيخ محمّد الجناجيّ الثاني(2) بن الشيخ يحيى بن مطر بن سيف الدين المالكيّ(3) بن محمّد جمال الدين بن عبداللّه النجفيّ(4) بن الشيخ محمّد الجناجيّ الأوّل بن ابراهيم(5) بن هُديب ـ بالتصغير ـ بن صرحد بن صقر(6) بن فرج ( وهو جدّ آل فرج ) بن عليّ حسام الدين(7) دفين الفيحاء بن جعفر مجير الدين بن مسعود غياث الدين بن الحسين بن الأمير أبي‏الحسين الفقيه الزاهد والعالم العابد الشيخ ورّام قدّس سرّه(8) ابن فراس بن أبي فرّاس ورّام بن حمدان بن عيسى بن أبي النجم ابن ورّام بن‏أحمد(9) بن مدين(10) بن حمدان بن خولان بن عبد اللّه الشريف(11) بن مالك الملقّب بـ «نعمان» بن ابراهيم(12) بن مالك الأشترالنخعيّ اليمنيّ الكوفيّ رضوان‏ اللّه ‏تعالى عليه(13).

ولادته

ولد سماحته (حفظه الله) في الليلة الرابعة من شهر شعبان المعظم لسنة 1373 هـ مساء اليوم الذي يصادف ذكرى مولد سبط الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الإمام الحسين عليه السلام  وليلة ذكرى ولادة أخيه أبي الفضل العباس بن علي عليه السلام, وكان مسقط رأسه في « قضاء الهنديّة » الّتي يُطلق عليها محلّيّاً «طويريج»  التابع ـ سابقاًـ لمحافظة الحلة الفيحاء (بابل) ولمحافظة كربلاء المقدسة حالياً(14).


دراسته‏

   أكمل سماحته الدراسة الأكاديمية لمرحلتي الابتدائيّة والمتوسّطة في مسقط رأسه ، ثمّ التحق بالدراسة الحوزويّة في مدينة النجف الأشرف عام 1968م ، وكان في أوّليّاته قد حضر دورة في القرآن الكريم والفقه والعقائد والأخلاق والسيرة ، .. وذلك قبل دراسته المتوسّطة ، وقبل لحوقه بالحوزة العلميّة على يد المرحوم العلّامة السيّد مرتضى العظيميّ ـ عالم قضاء الهنديّة آنذاك ـ والّذي توّجه العمامة عام 1969م , بعد أن استخار اللّه تعالى في ارتداء الزيّ الدينيّ ولباس أهل العلم فكانت خيرة اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة >إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ<(15).

وبعد أن طوى أربع سنين من دراسته في الحوزة العلميّة أدّى الامتحان الخارجيّ في الموادّ الدراسيّة لمرحلة الثانويّة العامّة في مديريّة تربية محافظة بابل «الحلّة» فنجح فيها متفوّقاً على أقرانه من طلّاب الامتحان عام 1972م ، ثمّ التحق في آنٍ واحدٍ بكلّيّة الفقه في النجف الأشرف ، وكلّيّة القانون والسياسة التابعتين لجامعة بغداد ؛ بعد أن استخار ربّه عند رأس سيّد الشهداء (ع) على الجمع بين هاتين الدراستين ، فكانت خيرة ربّه الآية الكريمة >وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً< (16) فاتحة خير وتفاؤلاً بالنجاح والتوفيق في اقتحام هذا المشوار العلميّ الصعب والخطير ، موزّعاً أيّام حضوره على الكلّيّتين في النجف الأشرف وبغداد ، اضافةً الى دراسته الحوزويّة أيّام حضوره في النجف ، حتّى تخرّج من هاتين الكلّيّتين معاً عام 1976م حائزاً على شهادة «البكالوريوس» باللغة العربيّة والعلوم الاسلاميّة من كلّيّة الفقه ، و«الليسانس» في علم القانون «الحقوق» .

ثمّ واصل بعد ذلك دراسته العليا في الحوزة حتّى حضر عام 1978م أبحاث الخارج عند جمعٍ من العلماء ومراجع الدين الكبار كالمرحوم آية اللّه العظمى السيّد أبوالقاسم الموسويّ الخوئيّ في مسجد الخضراء ، والمرحوم آية اللّه العظمى السيّد الشهيد الصدر الأوّل في مسجدَيْ الطوسيّ والجواهريّ .

وكان من أبرز أساتذته في الحوزة قبل وصوله مرحلة «بحث الخارج» كلٌّ من المرحوم السيّد محمّدتقي الحكيم ، والمرحوم الشهيد السيّد عبدالصاحب الحكيم، والشيخ محمّدتقي الايروانيّ، والسيّد حسين الشاهروديّ، والشيخ عبدالهادي حْموزي وغيرهم، فقد أخذ عنهم علوم الشريعة واللغة العربيّة والفقه والأُصول وغيرها من علوم المعقول والمنقول ، ... كما كان من أبرز زملائه في تلك الأبحاث والدروس المرحوم العلّامة السيّد محمّدتقي الخوئيّ ، والسيّد عبدالرسول علي‏خان ، والشيخ محمّد الايروانيّ ، والسيّد صادق الشاهروديّ ، وكان من أطراف مباحثاته كلٌّ من السيّد كاظم شبّر ، والشيخ محمّد حسين الأنصاريّ ، والشيخ حسين الحاج باقر حمّوديّ البغداديّ .

أمّا عن دراسته الأكاديميّة العليا ، فقد قدّم أُطروحته في القانون الاداريّ الاسلاميّ الى قسم الدراسات العليا في جامعة بغداد ونال بها درجة «الماجستير» ثمّ هاجر من العراق أواخر عام 1979م مُلقياً رحاله في دمشق الشام ، ثمّ قدّم طلباً عن طريق الملحقيّة الثقافيّة الفرنسيّة للدراسات العليا ؛ منتظراً قبوله في «جامعة السوربون» الفرنسيّة .

وفي خلال هذه الفترة ـ فترة انتظار قبوله ـ التحق بمعهد الحرّيّة بشارع بغداد في مدينة دمشق ، وذلك لتعلّم اللغة الفرنسيّة ، ثمّ تمّ ـ  بعد ذلك ـ قبوله في الجامعة المشار اليها  وواصل دراسته فيها حتّى حصل على شهادة «الدكتوراه» المسمّاة بـ D.E.A في تاريخ الفلسفة عام 1982م ، ولكن اضطرّته الظروف الأمنيّة آنذاك الى مغادرة فرنسا قبل تسلّم وثيقة الـ (D.E.A) الى أنّ تحسّنت تلك الظروف ، فعاد اليها وتسلّم وثيقتها أوائل عام 1995م وكان قد غادرها عام 1982م.

ونظرا للإضطهاد السياسي في وطنه (العراق) فقد حط رحله في مدينة قم المشرفة ليكون أحد أركان الحوزة العلمية العربية فيها.

 


تدريسه‏

وفي مجال النشاط العلميّ ، فقد تصدّى شيخنا الأُستاذ للتدريس في الأوساط الحوزويّة في النجف الأشرف كالمدرسة الشبرية وفي كثير من المراكز التدريسية في قمّ المشرفة كالمسجد الأعظم , ومنتدى جبل عامل ، ومكتبه الخاصّ ؛ بالاضافة الى مدرسته العامرة «دائرة العلوم الاسلاميّة» والجامعة الاسلاميّة الحرّة، كما درس ايضأ في الجامعة الاسلاميّة في لندن، وأما المواد التي تصدى سماحته لتدريسها فهي كالآتي :

1 ـ أُصول الفقه ، للشيخ المظفّر .

2 ـ الرسائل ( في الأُصول ) ، للشيخ الأنصاريّ .

3 ـ المكاسب ، للشيخ الأنصاريّ .

4 ـ كفاية الأُصول ، للمحقّق الخراسانيّ .

5 ـ فلسفتنا ، للسيّد الشهيد الصدر .

6 ـ اقتصادنا ، للسيّد الشهيد الصدر .

7 ـ الحلقة الثالثة من أُصول الفقه ، للسيّد الشهيد الصدر .

8 ـ الالهيّات في العقائد.

9 ـ علوم القرآن ، من تأليفه الخاصّ .

10 ـ بداية الحكمة ( في الفلسفة ) ، للعلّامة الطباطبائيّ .

11 ـ فقه اللمعتين ، للشهيدين الأوّل والثاني .

12 ـ جواهر البلاغة . للسيد أحمد الهاشمي .

13 ـ المنطق ، للشيخ المظفّر .

14 ـ شرح ابن عقيل .

15 ـ فقه اللغة .

16 ـ العروض العربيّ .

17 ـ علم القانون .

18 ـ منية المريد ( في الأخلاق ) ، للشهيد الثاني . اضافةً الى محاضرات أخلاقيّة أُخرى من تأليفه الخاصّ .

19 ـ دورة في التاريخ الاسلاميّ ، كانت قد سُجّلت للجامعة الاسلاميّة في لندن على أشرطة الفيديو .

20 ـ الفنون الخمسة ( الخطابة ، الكتابة ، التدريس، التحقيق، طرق البحث العلميّ ) .

كما تصدّى قبل ذلك لتدريس مادّة التبليغ الاسلاميّ لطلبة الحوزة العلميّة في مدينة النجف الأشرف ، وذلك بأمرٍ مباشرٍ من أُستاذه المفكّر الاسلاميّ والمرجع الكبير سماحة آية اللّه العظمى السيّد الشهيد محمّدباقر الصدر قدّس اللّه نفسه .

21 ـ كما سبق له أن درّس دورة كاملة في ( مصادر العقيدة ) أسّس فيها لمنهج متكامل جديد في أدلة العقائد وطرق تحصيلها، نسبته إليها نسبة (أصول الفقه ) الى ( الفقه ) مع رعاية الفروق الأساسية بينهما .

 22 ـ وهو مشغول حاليا ومنذ عام 1417 هـ بإلقاء الدروس العالية المصطلح عليها حوزويا بـ ( أبحاث الخارج ) ـ في الفقه والأصول ـ وهي أعلى مرحلة تدريسية للدراسات العليا في الحوزة العلمية .

وقد حضر عنده وتتلمذ على يديه أو تخرّج عليه عدد كبير جدّاً من الطلبة الأفاضل في مختلف المراحل والكتب الدراسيّة ، وعلى مدى قرابة العشرين سنة الماضية ، سواء في النجف الأشرف أو قمّ المقدّسة ـ في حوزتها الحرّة ، أو مدارسها النظاميّة ـ وربّما ناهز عدد الدارسين لديه الألف طالب أو يزيدون .

 


مشروع دائرة العلوم الإسلاميّة

كما قام سماحته بتأسيس صرحٍ علميّ كبيرٍ باسم «دائرة العلوم الاسلاميّة» والّتي تُعدّ من المشاريع العلميّة الطموحة في حقل العمل العلميّ والتبليغيّ والخيريّ ، فهو عبارة عن مؤسّسة اسلاميّة ذات حيويّة عالية ، ونشاط ملموس ، تأسّست سنة 1412 هـ ، ولا تزال تُواصل نشاطها العلميّ تحت ظلّ رعاية أُستاذنا المترجَم له ، وباشرافه المباشر لأقسامها الأربعة :

1 ـ القسم الحوزويّ : وهو عبارة عن جامعة علميّة نموذجيّة، ينتسب اليها مئات من الطلبة في مستويات علميّة ومواصفات معيّنة وشروط منصوص عليها في لوائح منظّمة من قبل المدرسة نفسها ؛ مقدّمةً لقبول طلّابها . يقطع الطالب في دراسته تسع مراحل يتأهّل بعدها لمرحلة البحث الخارج «الدراسة العليا» .

2 ـ مؤسّسة البحوث والدراسات الاسلاميّة ، وهي تُعنى باعداد وتحقيق البحوث الاسلاميّة ، ثمّ تهيئتها للطباعة والنشر .

3 ـ مركز التبليغ الاسلاميّ، حيث ينطوي هذا المركز على ما يلي:

أ : اعداد المبلّغين الرساليّين ، وارسالهم الى مختلف المناطق والمدن من أجل القيام بنشر الوعي والثقافة الاسلاميّة ، خصوصاً في المواسم الدينيّة المألوفة في شهري رمضان المبارك ومحرّم الحرام .

ب ـ القيام بتوزيع عالميّ للكتب الاسلاميّة في كافّة الحقول والموضوعات العلميّة الدينيّة ، خاصّة كتب العقيدة ، والّتي تعتمد منهج أهل البيت عليهم السلام منبعاً أصيلاً في فهم الاسلام .

ج ـ القيام بتهيئة وارسال وتوزيع المحاضرات الاسلاميّة لسماحة الشيخ المالكيّ ودروسه الحوزويّة المسجّلة على أشرطة الفيديو والكاسيت العاديّ والأقراص الليزريّة « CD» ، وذلك تلبيةً لطلبات الراغبين من مختلف أنحاء العالم .

د ـ البثّ الاذاعيّ من خلال مؤسّسات الاذاعة والتلفزيون والقنوات الفضائية.

4 ـ الصندوق الخيريّ ، حيث يقوم هذا الصندوق بعدّة نشاطات خيريّة إنسانية وتقديم مختلف الخدمات الاجتماعية .

وللّه درّ الأديب الشيخ محمّدباقر الايروانيّ النجفيّ ، حيث قال في تأريخ تأسيس «دائرة العلوم الاسلاميّة» :

 

قف عند دائرة العلوم وحيّها

 

  فبنهجها الإسلام رمزٌ ماْثلُ

فاقت بمدرسةٍ تمثّل حوزةً  

 

  في ذاتها والنهج نهجٌ كاملُ

وبها مؤسّسةٌ تلي التحقيق والـ
 

 

 ـتأليف والثمرُ المؤمّلُ حاصلُ

والقلب فيها مركز التبليغ للـ
 

 

إسلام والتبليغ منها شاملُ

وتضمّنت صندوق خيراتٍ به
  

 

لمعونة الفقراء خيرٌ واصلُ

فالعلم والتأليف والتبليغ والـ
 

 

ـصندوق للروّاد هُنّ مناهلُ

وستنهل الأجيال من ينبوعه
 

 

فيض المعارف فليعيه الغافلُ

أعظِم بهاتيك المؤسّسة الّتي
  

 

عنوانها باقٍ وما هو زائلُ

وذخائر الأعمال يبقى ذكرها 

 

وثمارها وبها يفوز النائلُ‏

والباقيات الصالحات رصيده
  

 

وشعارها بالنصر دوماً حافلُ

طوبى لمنشئها فقد نال المنى
  

 

  وبحقّه مدحاً يقول القائلُ

إنّ المؤسّس أرّخوه (بطيبه

 

  المالكيُّ أبوالمكارم «فاضلُ»)

الجمع :  28/ 
 

 

132/          9/        332    911 /

جمع المجموع :  

 

 1412 هجريّ‏

 

 


إجازاته العلميّة

 تعتبر الاجازة العلميّة في العُرف الحوزويّ سند كفاءة ، ومستند توثيق واعتماد يمنحها ـ عادة ـ المرجع الدينيّ ، وتختلف بين الاطلاق والتقييد ، والشمول والتحديد ، وذلك حسب وثاقة الشخص وكفاءته الدينيّة والعلميّة ...

فقد نال أُستاذنا الفاضل عدّة اجازات حسبيّة وروائيّة ووثائق علميّة من مراجع التقليد الكبار ، نقتصر على ثلاثة من العلمية منها :

1 ـ شهد لـه آية اللّه العظمى السيّد مهدي المرعشيّ النجفيّ بأنّه حائز على درجة الاجتهاد .

2 ـ وصفه آية اللّه العظمى السيّد محمّد صادق الروحانيّ في اجازته لـه بالفقيه القادر على ابداء الرأي السديد ، والّذي يعني في العرف الحوزويّ بلوغه مرتبة الاجتهاد .

3 ـ أجازه المرجع الديني الشيخ الميرزا جواد التبريزيّ في الرواية والفقاهة .

وسنرفق في آخر هذا الموجز ملحقاً بصور من تلك الاجازات، ومن شاء الاطلاع على أصولها مخطوطة أو مختومة باسم وختم أصحابها أطلعناه عليها لتنقطع بذلك ألسنة المفترين ويقطع دابر المنافقين « بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ » .

وفي بلوغه درجة الاجتهاد يقول الخطيب الأديب الشيخ محمّد سعيد المنصوريّ مهنّئاً :

ألا يا فاضلاً بالفضلِ أمسى‏  ‍
سُررنا باجتهادِكَ مُذْ سَمِعنا  ‍
فقلنا هل يُقاسُ به سِواهُ‏  ‍
بتحقيقٍ وإيجازٍ أجيبوا  ‍
فتىً ما اْنفكّ يقرأُ ثمّ يَرقى‏  ‍
لذا قالوا بأنّ (أبا جوادٍ)  ‍
(ففاضلُ) فاضلٌ علماً وحلماً  ‍
وهذا ما به من قبل دهرٍ  ‍
وإنّي واثقٌ عمّا قريبٍ‏  ‍
فَلِمْ لا والعواقبُ بيّناتٌ  ‍
وشخصُ «المالكيّ» إليه يرنو  ‍
منابرُهُ بذلكمُ شُهودٌ  ‍

  من الأقرانِ والأترابِ أسمى‏
  بأنّكَ راجحٌ كيفاً وكمّا
  من العُلماءِ والخُطباءِ أمْ ما ؟
  فقالوا كان أوفرَ ذينِ سهما
  إلى أن بالعلوم أحاطَ علما
  أشدُّ رفاقهِ حَزماً وعَزما
  وفي كلّ المواطنِ جاء شَهْما
  تنبّأنا به حقّاً فتمّا
  سيُصبح آيةً للَّهِ عُظمى‏
  يراها من بمعناها ألمّا
  مقامٌ شامخٌ يوماً فيوما
  وهذا لم يكن شيئاً مُعمّى‏


مؤلّفاته‏

 لأُستاذنا الفاضل مؤلّفات كثيرة ، وتحقيقات قيّمة تُمثّل بنات أفكاره ، وابداعات يراعه ؛ رغم كثرة اشتغالاته وارتباطاته الاجتماعيّة ، وقد أجاد في كلّ ما قدّم من نتاجٍ علميّ وفكريّ واجتماعيّ وتربويّ وسياسيّ ...

فمن نتاجاته العلميّة :

1 ـ مصارع الحقّ ، وهو عبارة عن عرضٍ تحقيقيّ قيّم ـ زاخرٍ بالشواهد ـ لقصّة مقتل سيّد الشهداء الامام المظلوم الشهيد أبي عبداللّه الحسين ، طُبع عام 1973م في مطبعة النعمان في النجف الأشرف ، وكان باكورة نتاجه التأليفيّ ، وقد قدّم لـه ـ حينها ـ سماحة العلّامة السيّد عبدالرضا الشهرستانيّ رحمه الله . كما يجري طبعه ثانيةً بعنوان «يوم الحسين» بمراجعتنا وتصحيحنا .

2 ـ مسند عليّ بن سويد السائيّ ، نشره مؤتمر الامام الرضا في مدينة مشهد المقدّسة ، وهو كتاب رجاليّ ، حديثيّ فقهيّ .

3 ـ بحوث اسلاميّة ، وهو كتاب ينطوي على عدّة أبحاث متنوّعة في القرآن والفقه والأُصول والعقائد والمفاهيم الاسلاميّة .

4 ـ مبدأ التعايش السلميّ في الفقه الاسلاميّ .

5 ـ مجموعة محاضرات في علوم القرآن الكريم ، وقد صدر منها كتاب ( الدلالات القرآنية ) .

6 ـ مجموعة محاضرات في تفسير القرآن الكريم .

7 ـ مجموعة محاضرات في الأخلاق الاسلاميّة .

8 ـ مجموعة محاضرات في التاريخ الاسلاميّ ، صدر المجلد الأول منها بعنوان (دروس في تاريخ ما قبل البعثة النبوية المشرفة).

9 ـ مجموعة محاضرات في فنّ الخطابة .

10 ـ قرار البراءة من المشركين في الكتاب والسنة .

11 ـ تقريرات أبحاثه الفقهيّة في «القواعد الفقهيّة» على مستوى ( بحث الخارج ) من محاضرات دروسه الّتي ألقاها في الحوزة العلميّة .

12 ـ فقه الأحوال الشخصيّة ، بحث استدلاليّ قيّم في (درس الخارج ) مقارناً بالقانون الوضعيّ .

13 ـ شرح وتحقيق المكاسب المحرّمة والبيع والخيارات ، للشيخ الأنصاريّ .

14 ـ موسوعة البحوث الاسلاميّة .

15 ـ الموسوعة العقائديّة ، وقد صدر منها كتاب ( مفهوم المستضعف في الكتاب والسنة ) .

16 ـ الموسوعة الفقهيّة ؛ وهي عبارة عن تقريرات أبحاثه الفقهيّة في القواعد والأبواب المختلفة على مستوى‏ (بحث الخارج) من محاضرات دروسه الّتي ألقاها في الحوزة العلميّة ، وقد صدر منها المجلد الأول .

17 ـ الموسوعة الأُصوليّة ؛ وهي عبارة عن تقريرات دورته التدريسيّة في اُصول الفقه على مستوى‏ (بحث الخارج) ، وقد صدرت منها أربع حلقات في مجلد واحد .

18 ـ موسوعة الاستفتاءات .

19 ـ موسوعة المسائل العامة .

20 ـ تقريرات التفسير الموضوعيّ للسيّد الشهيد الصدر الأوّل رحمه اللّه .

21 ـ دورة في أُصول الفقه ، ضمن شرح وتحقيق كتاب «كفاية الأُصول» , وعلى مستوى الأبحاث العالية.

22 ـ تعليقات علميّة قيّمة على رسائل الشيخ الأنصاريّ .

23 ـ دورة فقهيّة استدلاليّة ، شرحاً للروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة للشهيدين الأوّل والثاني .

24 ـ موسوعة الأبحاث المقارنة بين الشريعة والقانون ، من قبيل «القانون الاداريّ الاسلاميّ» و«القانون الدوليّ الاسلاميّ» و«القانون الجنائيّ الاسلاميّ» .

25 ـ موسوعة الامام الحسن  ، وهي دورة تحقيقيّة في دراسة شاملة لمختلف أبعاد حياة شخصيّة الامام الحسن المجتبى عليه السلام ، وهي الآن في المراحل النهائيّة من اعدادها للطبع ، ويُقدّر لها أنّ تقع في اثني عشر مجلّداً .

26 ـ موسوعة المحاضرات المنبريّة ، وهي سلسلة دراسات وبحوث اسلاميّة ، عقائديّة ، وتربويّة متنوّعة ؛ من أكثر من ألف محاضرة لسماحته، مصنّفةً تصنيفاً موضوعيّاً كموضوع: التوحيد، العدل ، النبوّة ، الامامة ، العصمة ، الأُسرة ، الجهاد ، المرأة، و... نتوقّع وقوعها في أكثر من خمسين مجلّداً.

27 ـ النظام السياسيّ في الاسلام والقضيّة العراقيّة حيث نقرأ الكثير من ذلك في كتاب ( مواقف رائدة وبيانات خالدة ) .

28 ـ منتقى الأحاديث النبوية الشريفة.

29 ـ تبيان الأحكام وهو رسالته العملية الفقهية .

30 ـ كما نُشرت له عدّة مقالات في صحف ومجلّات مختلفة، فقد نُشر لـه مقال عن واقعة بدر الكبرى في مجلّة «الشروق» ومقال آخر عن الوحدة الاسلاميّة في جريدة «الخليج» الاماراتيّة، اضافة الى مذكّراته عن أُستاذه السيّد الشهيد الصدر ؛ حيث نُشرت في نشرة تصدرها الجالية العربيّة في فرنسا باسم «ذات الشوكة» .

وله مقابلات مع عدد من الصحف والمجلّات العربيّة والعالميّة؛ كمجلّة «المواقف» و«صوت الخليج» وصحيفة «الوطن» و«القبس» و«السياسة» و«الرأي العام» و«الزمن» الكويتيّة ؛ و«الشروق» القطريّة ، و«الخليج» الاماراتيّة .

وشارك أيضاً بمقالاته المتنوّعة في موضوعاتها في عدّة مؤتمرات وندوات علميّة مهمّة ، كـ (مؤتمر الوحدة الاسلاميّة) في سريلانكا ، و«ندوة الاحتفال بالمولد النبويّ الشريف» على قناة دبي الفضائيّة .

 

 


مشروع تطوير الخطابة

بذل السيّد الشهيد الصدر الأول ـ قدّس سرّه الشريف ـ سعياً حثيثاً في تأسيس وايجاد مشروعٍ علميّ ضخمٍ من أجل تطوير المنبر الحسينيّ ، والارتقاء به الى مستوىً ينسجم ويتناسب مع فكرة التطوير والبناء الجديد للحوزة العلميّة .

وكان هذا السعي نحو التغيير والتطوير يقوم على أساس قناعة السيّد الشهيد نفسه بأنّ كلّ خطيبٍ يجب أن يكون عالماً ، وكلّ عالمٍ يجب أن يكون خطيباً .

ونظرا لما يتمتع به شيخنا الأُستاذ من درجةٍ علميّةٍ عاليةٍ جعلته في عداد العلماء الكبار وأساتذة الحوزة العلميّة ، مضافاً الى مكانته الخطابيّة ولياقته المنبريّة الّتي جعلته مدرسةً علميّةً ، وموسوعةً ثقافيّةً غنيّةً بمختلف ألوان المعرفة والثقافة الفكريّة ؛ الّتي تُهيمن على مشاعر المستمعين ، فتأخذ بمجامع قلوبهم ، وتسترعي انتباههم .

لهذا وذاك ؛ كان السيّد الشهيد رحمه اللّه قد أسند هذه المهمّة الصعبة الى أُستاذنا الفاضل ؛ مُعتمداً على سماحته في تنفيذ وادارة هذا المشروع الخطير ، لما يملك من لياقةٍ واستعدادٍ مُزيّنٍ بشجاعةٍ جعلته يمتاز بها امتيازاً بالغاً ومحسوساً ، وقد دارت بينهما ـ في هذا الاطار ـ جلساتٌ مُتعدّدة ـ ولعلّها كانت أُسبوعيّة ـ كان يتمّ فيها بحث ودراسة مقترح انشاء معهدٍ كبيرٍ لتعليم الخطابة ، والتعرّف على فنّها ، يُديره سماحة شيخنا الفاضل ، ويُشرف عليه السيّد الشهيد الصدر رضوان اللّه تعالى عليه بنفسه(17) .

 

 


خطابته‏

أمّا الخطابة عند شيخنا الأُستاذ فتُمثّل فيه موهبةً مبكّرةً قبل أن تكون نتاجاً دراسيّاً ، فقد بدأ مسيرته الخطابيّة وله من العمر احدى عشرة سنة، ثمّ أخذ يُواصل دربه حتّى نبغ وتألّق واشتهر في حُسن الخطابة ، والتفنّن فيها ، فذاع صيته ، وانتشر اسمه في كافّة أقطار الخليج والدول الاسلاميّة والعالم ، فانفرد لنفسه، وأصبح من أعلام المنبر الّذين يفتخر بهم العالم الاسلاميّ ، ومن الّذين تُعقد عليهم الآمال ، وقد نبغت شخصيّته نبوغاً اعترف به جميع من عرفه، وسلّم لأه أنّه خطيبٌ مُفوّه من الطراز الأوّل، فتراه اذا رقى المنبر ملأك روعةً وغبطةً بجمال أُسلوبه ، وسحر بيانه ، وعذوبة منطقه، يُحدث في السامع له لذّةً ومتعة ، وتجد نصائحه وارشاداته يُغذّي بها المشاعر ، فتأخذ مفعولها من النفوس   وذلك لانعكاسها في القلوب ، وارتسامها على الأفئدة ، ولا يُنكر اعجاب المثقّفين به ، بل هو موضع اعجاب الجميع لما يرون فيه من ابداع ، وسعة اطّلاع ، وأدبٍ فيّاض ... فهو منبريّ لوذعيّ ، وأديب نابه ، وعالم فاضل ، لـه عبقريّة ونبوغ ، وله لياقة ولباقة ، وله نفس طموحة الى أرفع مستوى مهما بلغت به الصعاب .

ولئن زاحمت مسيرته الدراسيّة «الحوزويّة والأكاديميّة» رحلته الخطابيّة فلم يتفرّغ معها للخطابة الّا قليلاً ، لكنّها ـ  على قلّتها ـ ممارسة متينة مركّزة ورساليّة هادفة ، وهو ـ  اليوم  ـ يُعدّ واحداً من أنبغ الخطباء المعاصرين ، فقد لمع نجمه ، وتألّق اسمه في عصر الصحوة الاسلاميّة، وبرز خطيباً مفوّهاً هادراً ذا كفاءةٍ عالية ، ومواهب خلّاقة ، وطاقات مبدعة ، وقد غطّت محاضراته ومجالسه العديد المهمّ من أقطار العالم ؛ كدول الخليج وبلاد الشام وايران وفرنسا وساحل العاج ، والعديد المهمّ من محافظات العراق كالنجف الأشرف وكربلاء المقدّسة وبغداد والكوت ، كما اعتمده المرحوم الامام الخوئيّ رحمه اللّه عالماً وخطيباً لافتتاح مسجد وحسينيّة منطقة «الشريخان» في مدينة الموصل بشمال العراق ، حتّى منعته السلطة الحاكمة من البقاء والاستمرار .

يقول فضيلة الخطيب الألمعي السيد داخل السيد حسن مؤلّف كتاب «معجم الخطباء» : استمعتُ الى لقطاتٍ من تلك المجالس الموفّقة فوجدتها لوحةً مسبوكةً منسجمةً في وحدة موضوعها ، واشباع بحوثها ، وغزارة تحقيقاتها ، فلعمر الحقّ لقد شدّني أُسلوب العرض ، ولباقة المنطق ، وسيطرة المحاضر ، وفنّ التنقّل والتجوال بين حلقات البحث ، وتسلسل فروعه بطريقةٍ محكمةٍ ، واقتدارٍ مُتفوّق .

ثمّ وجدته مركّز الحفظ ، دقيق الملاحظة ، يتمتّع بحافظةٍ خطيرةٍ ، وثروةٍ كبيرةٍ من الألفاظ الحديثة والمصطلحات المعاصرة الّتي تتدفّق على لسانه ، فيُرصّع بها جميل بيانه .

ولا شكّ أنّ هناك كثيراً من الأساتذة الكبار والرجال الأكفّاء في دائرة المنبر المعاصر ، غير أنّ شيخنا الأُستاذ أكبر رصيداً في الضبط والتحقيق ، وأوسع ثروةً في العرض والتدقيق ، وأعمق بحوثاً وتتبّعاً واستقراءاً لما يُطرح من مواضيع هامّة ، وما يطرق من بحوث حيويّة ، وما يُثير من قضايا ساخنة ، وأحداث راهنة .

ومع غاية الاحترام للجهود الّتي بذلها هؤلاء ـ الأعلام والأساتذة ـ في تطوير المنبر الحسينيّ ، فلقد أدّوا ما عليهم ، وقاموا بدورهم الرائد ، وكان سعيهم مشكوراً ، غير أنّنا نؤمن بأنّ اللّه تعالى لا يُخلي الأرض من حُجّة مَا نَنَسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا< (18). (19)

ولمنبر شيخنا الأُستاذ منهجه الخاصّ ، وأُسلوبه المتميّز في الطرح والأداء ، فهو منهج توفيقيّ بين الطريقتين الحوزويّة والجامعيّة ، وأُسلوب متوفّر على فنّيّة الخطابة ، وعلميّة الطرح ، وهو للسبك التدريسيّ أقرب منه الى الحديث العامّ ، ونهج جامع بين القديم والحديث ، متميّز بالمتانة والابانة (وخير الكلام المتين المبين) ـ على حد تعبير شيخنا الاستاذ دام ظله ـ .

مضافاً الى انفراده ـ تقريباً ـ من بين نظرائه في اتّباع طريقة البحث المتسلسل في بحوثه ومحاضراته المنبريّة ، فقد اشتهر ـ من قبل ـ في «جامع الهاشميّ» في بغداد بمحاضراته العشرين في «فلسفة خلود الامام الحسين A» والّتي كانت تُمثّل توعيةً سياسيّة ، وتعبئة جهاديّة باتّجاه الثورة الاسلاميّة المباركة ، ومحاضراته العشرين في «جامع العگيلات» ببغداد أيضاً في بحث «الشجرة الملعونة في القرآن الكريم» والّذي كان يمثل تنديداً بالظلم والطغيان.

ومحاضراته العشر عن «الشخصيّة الاسلاميّة» في عاصمة دولة البحرين «المنامة» .

ومحاضراته الثلاثين عن «الإسلام والحياة» بدولة الكويت ، وله محاضرات وبحوث إسلاميّة مهمّة ومتسلسلة في موضوعات أُخرى ؛ كبحوث الأُسرة ، والجهاد ، والصراط المستقيم ... وغيرها من العناوين والبحوث الّتي تُمثّل قمّة عطائه العلميّ ، وأُمّهات بنات أفكاره ، وموضوعاته الّتي انفرد بها وببحثها . وانّه ـ اليوم بحقٍّ ـ لأبرز مصداق لمقولة ( عالم الخطباء ، وخطيب العلماء ) .

ولعلّ من أبرز ما امتاز به منبر شيخنا الأُستاذ ، بل من أعزّ مفاخره هو ما عُرف به من جُرأةٍ فائقةٍ في مقارعة الانحراف ، والردّ على الشبهات الدخيلة على الدين ؛ غير هيّاب من أحدٍ ، ولا آبهٍ بما يلقى في «طريق ذات الشوكة» فتراه جريئاً شجاعاً لم يكتم عقيدته ، ولم يجبن عن ابداء رأيه ومعتقده للناس ، وهو على هذه العقيدة سارٍ في حياته كلّها ، وفي سبيل هذه العقيدة جاهد وقاوم .

فهو ـ لعمري ـ مصداقٌ مشرق لقوله تعالى >الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ< (20) وقد عرفته الساحة الاسلاميّة أخيراً بأنّه «رائد قضيّة الدفاع عن العقيدة» وللّه درّ الأُستاذ الأديب محمّد الغرّاويّ ؛ حيث قال في هذه الوقفة الشجاعة :

ما سمعنا ضربةً من فارسٍ     بمِدادٍ فَلَقَتْ سَبْــعَ قِمَـــمْ‏

بل سمعنا خُطبةً من فاضلٍ     بارعٍ قـد نكّستْ ألفَ عَلَـمْ‏

وقال في قدومه من الكويت ؛ حيث أعلن موقفه الدفاعيّ عن العقيدة الحقّة :

بمقدمِكَ ‏الميمون نَزهو ونطربُ  ‍
نُرحّب بالحُرّ الغيور الّذي به‏  ‍
فمنبرُكَ السامي سيزهو بأحرفٍ‏  ‍
لما فيك من خيرٍ وفضلٍ وهمّةٍ  ‍
علاك بها الركبان غنّت حداتُها  ‍
كفاك فخاراً أنت سيفٌ مُسلّطٌ  ‍
ومن أجل هذا كلّ خبٍّ مراوغٍ‏  ‍
لقد سرّنا كلّ السرور قدومُكُمْ‏  ‍
وحولك في هذا التجمّع شاهدٌ  ‍

  نُعبّر عن محض الولاء ونُعربُ‏
  لنا كلّ حينٍ في الخطابة مكسبُ
  من ‏النور في تاريخنا سوف تُكتبُ‏
  فأنت إلى كلّ القلوب مُحبّبُ‏
  وذكرُكَ في كلّ المجالس طيِّبُ‏
  على كلّ دجّالٍ يُرائي ويكذبُ‏
  رآك على بُعدٍ من الخوف يهربُ‏
  وإنّ لسانَ الحال يُنبي ويُعربُ‏
  ألا انظر إلى الأبناء يا أيّها الأبُ‏

لقد ابتكر شيخنا الأُستاذ في منهجه الخطابيّ والمنبريّ موضوعات جديدة في هذا العصر كان يُعالج فيها المشاكل الاجتماعيّة ، والأمراض النفسيّة ، ويُحارب الأخلاق الذميمة ، والتفرقة العنصريّة ، ويُنافح عن حريم العقيدة بأُسلوبٍ يتذوّقه المثقّف والأديب والعالم وسائر الناس ...

فبامكان السامع لمحاضراته المنبريّة ومجالسه الحسينيّة أن يتلمّس مدى ما تتّسم به ـ محاضراته ومجالسه ـ من : انسجامٍ وموضوعيّة ، واشراق ووضوح ، وما تحتشد به من تحقيقاتٍ دقيقة ، ومطالب علميّة جديدة ، وابداع في تحضير المادّة العلميّة للموضوع ، وتحديد الأفكار الجزئيّة الّتي يُريد التطرّق اليها في حديثه ، والبحث عن الآيات والروايات والأحاديث والشواهد التاريخيّة والأدبيّة المناسبة لدعم وتعضيد الموضوع ، وترصيع المتحدّث كلامه ، والاستشهاد بها على أفكاره ؛ ممّا قد يجد به غيره صعوبةً في ترتيب أجزاء الأفكار المندرجة تحت عنوان الموضوع الواحد ، بنحوٍ منهجيّ علميّ مُترابط ، مُتسلسل بشكلٍ متين ومبين ، الأمر الّذي يجعل هذه الصعوبات تنعكس وهناً واضطراباً وضعفاً وركّة في أحاديث وخطب ومجالس كثير من العلماء أو خطباء المنبر الحسينيّ ، فربّما نرى من يُحسن اختيار موضوعٍ ولا يُجيد التحضير له ، وربّما نرى من يجيد التحضير ، لكنّه قد تقعد به المنهجيّة الصحيحة وحسن الأداء ، .. وممّا لا شكّ فيه أنّ من تمكّن من الاجادة في جميع ذلك يكون قد أنهك نفسه في الاعداد والتحضير والابداع ... بنحوٍ يجعله عزيز القراءة ، مُثقلاً بالاجهاد النفسيّ ، فلا تُقاس مثل هذه المجالس والمحاضرات المفعمة بالعطاء ، والزاخرة بالفكر وبالمادّة العلميّة ... بغيرها من المجالس الّتي ربّما يكون أخذها من السامع أكثر من عطائها ، حيث تأخذ أغلى وأعزّ وأثمن شي‏ء عنده وهو وقته ، ولا تُعطيه شيئاً ينفعه ، وما أكثر مثل هذه المجالس اليوم !

انّ منبر شيخنا الأُستاذ قد احتوى كثيراً من العناوين لموضوعات ومباحث فكريّة دقيقة مشتملة على تحقيقات هامّة وعميقة وشاملة ومستوعبة ، وفي مناسبات شتّى ، يصعب الخوض فيها الّا ممّن يرى في نفسه الكفاءة والقابليّة والجدارة واللياقة لاقتحام مثل هذه الصعاب ، وخوض العُباب ، وقد خاض أُستاذنا الفاضل في موضوعاتٍ صعبةٍ ومُلتويةٍ ومُعقّدة للغاية ، فأشبعها بحثاً وتحقيقاً حتّى أماط عن غامضها الحجاب ، وميّز القشور عن اللباب ، والسقيم من السليم ، والموضوع المكذوب المدلّس من الصحيح .

وبكلمةٍ جامعةٍ ؛ فانّ شيخنا الأُستاذ قد انفرد في منهجه الخطابيّ ، وأخذ يتقدّم تقدّماً باهراً حتّى أصبح اليوم نابغةً من نوابغ الخطباء الّذين يُعطون المنبر حقّه ، .. دقيق الملاحظة ، لا يُرسل الكلام على عواهنه ، بل يسنده الى مصدرٍ ، أو أكثر من مصدر من مصادر الجمهور ، وذلك الزاما للخصم ، ومبالغةً في الحجاج والاحتجاج ، فتراه يُحلّق بمستمعيه وحُضّار مجلسه الى ذروة السماء بتحليلاته العلميّة الدقيقة ، واستنباطاته الشفّافة ، ومحاضراته القيّمة ، وموضوعاته المبتكرة والشيّقة والصعبة الخوض فيها ، فلقد سمعتُ منه ـ  دام ظلّه ـ أنّه توّاقٌ مُولَعٌ ـ منذ الصغر ـ باقتحام الصعب ، فلذاك تجده يطرق كلّ موضوعٍ صعبٍ مُتَرامٍ في أطرافه ، ملتوٍ ومُتشعّب ، فيلمّ شتاته ، ويجمع متفرّقاته ، حتّى يصل بمستمعيه الى النتيجة الدقيقة المطلوبة في بحثه ، وما ذلك الّا دليل بارز وجليّ على نبوغه ، وسعة اطّلاعه ، وقوّة قلبه ، ومزيد شجاعته ، ومدى اعتماده على نفسه بما يحمل من كفاءةٍ ولياقةٍ تُمكّنه ، بل تحثّه على طلب ذلك كلّه .

اذا اعتلى ذروة المنبر كان كالسيل المتدفّق ، واسع الرواية ، قويّ الحجّة ؛ لا سيّما اذا أحسّ من حُضّار مجلسه أنّهم بمستوى درك معاني كلامه ، ودقائق مباحثه .

محاضراته تدلّ على تبحّرٍ وتضلّعٍ ، وحسن القاء والتفاتات كانت ولا تزال تسترعي انتباه المثقّفين ، يُماشي فيها مُتطلّبات الزمن الحديث ، ومقتضيات العصر الجديد ، كما له أيضاً اليد الطولى في ابتكار الأطوار الشجيّة ؛ وبأداءٍ رائعٍ ونادر .

ومن الجدير ذكره والاشارة اليه : أنّ أهمّ ما يعتزّ به شيخنا الفاضل هو شهادة أُستاذه السيّد الشهيد الصدر قدّس اللّه نفسه الزكيّة له وقوله فيه : لو كان لدينا في العراق عشرة أمثال الشيخ المالكيّ لما بلغ بنا الحال الى هذه الدرجة من نكبة الاسلام ، ونكسة المسلمين(21) .

 


شاعريّته ونتاجه الأدبيّ‏

أمّا عن شاعريّته ، فانّه بالاضافة الى خطابته فهو أديب مطبوع، ذو أُسلوبٍ رقيق ، ولفظٍ مُشرق ، وبيانٍ أخّاذ ، ولباقةٍ مُتفرّدة في سبكها ونسيجها، وله سيطرة بالغة في استعمال الاصطلاحات الأدبيّة الجذّابة ، والمباني الأخّاذة ، والمعاني النفّاذة ، مضافاً الى حفظه الكثير من الأمثال العربيّة ، والحكم الأدبيّة المصاغة بلسان الشعر والأدب ، والّتي كثيراً ما يستعملها في مقاماتها ومواضعها من كلامه ومحاضراته ، فيُرصّع بها جميل بيانه ، ممّا يشدّ السامع الى حديثه من دون سابق قصد .

وممّا لا شكّ فيه ؛ أنّ الشعر يعني الافراز الطبيعيّ للشعور الباطنيّ المُرْهف ، والذهن المُتوقّد ، ولمّا كان شيخنا الأُستاذ ـ بما يمتاز به من شعورٍ مرهف ، وأحاسيس رقيقة ـ نجماً لامعاً ، وعَلَماً بارزاً في عالم العلم والعلماء ، كان من الطبيعيّ أن يكون شعره المنبثق عن صميم شعوره القلبيّ بنفس المستوى الّذي عُرفت به شخصيّته العلميّة ، فجاء شعره قويّاً في نظمه ، محكماً في سبكه ، مشرقاً في ديباجته ، رصيناً في نسيجه ، سهلاً في التعبير عن قصده ومراده ، فهو مُجيد فيما ينظم وان كان مقلّاً ، فهو يأبى ـ في ذوقه السليم ـ كلّ ما هو ركيك وضعيف في نسيجه ، لهذا لا ينظم الّا في مناسباتٍ خاصّة ، وبصياغةٍ خاصّة ، يُزين ذلك كلّه نبرات صوته الجهوريّ الّذي يملأ سمع السامع ، ويأخذ بمجامع قلبه ، ويهزّه روعةً وغبطة , مُضافاً الى معالجاته اللبقة الموفّقة لبعض القصائد والقطع الشعريّة والأدبيّة الّتي يقرأها على المنبر أحياناً عندما تكون ـ هذه القصائد والقطع ـ فيها من المفردات أو القوافي ما لا يُناسب ذكره المقام ، فيتصرّف بها ، ويُغيّر فيها من دون اخلالٍ بأُسلوب الشاعر الأصليّ ، ومن دون أن تخرج القصيدة ذاتها عن نسيجها الأوّل وصياغتها الأصليّة .

وهكذا اذا عثر على قطعةٍ شعريّة فيها زُحاف ، أو مطبوعة خطأً ، أصلحها وصحّحها ، وهذا ـ لا شكّ فيه ـ ممّا يُدلّل على وجود مقدرةٍ كبيرة ، وسيطرة وافرة ، وذوق أدبيّ عالٍ ورفيع لدى المتصرّف نفسه ، يُمكّنه من جميع ذلك من غير تكلّفٍ أو تصنُّع . واليك نماذج من شعره :

 


قوله في مولد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام،

وهي بعنوان : «هوى الذكرى»

سُقيت هـوى الذكرى فأصبحتُ ساقيا                    ‍
                    قريحتيَ العطشى ففاضت قوافيا
وألهمني سبطُ الرسول ثناءَهُ‏                    ‍
                    فلا زال يرويني ولا زلتُ راويا
هو الحسنُ الزاكي سليلُ محمّدٍ                    ‍
                    إمام هدىً لا زال بالحقّ داعيا
هو الكوكبُ الدُرّيُّ يطفح ضوؤُهُ‏                    ‍
                    أطلّ علينا مُشرقاً مُتساميا
ومشكاة نور اللّه جلّ جلالُه‏                    ‍
                    (أطلّت على الدنيا شموعاً زواهيا)
وقنديل قدسٍ من سلالة أحمدٍ                    ‍
                    تلألأ في بيت الهدى مُتهاديا
وفرقد حقٍّ قد تألّق نورُه‏                    ‍
                    لروّاد درب الحقّ يجلو الدياجيا
ومصباح بيت الوحي يزهو سراجُهُ‏                    ‍
                    فيُخجلُ مصباح السما المتعاليا
ومنطق حقٍّ جاء يدعو إلى الهدى‏                    ‍
                    فلا زال مهديّاً ولا زال هاديا
لقد ضمّختْ ذكراهُ شعريَ فاغتدى‏                    ‍
                    عبيراً تهاداه الليالي غواليا
وذلك فيضٌ من فيوضات لُطفه‏                    ‍
                    وإلّا فما شأني وشأن ثنائيا
ولكنّه رمزٌ لصدق مودّتي‏                    ‍
                    كما أنّه ذخرٌ ليوم مَعاديا

*  *  *

وما ضرّ مجدَ المجتبى حاقدٌ لغى‏                    ‍
                    عناداً غدا عن حقّه مُتعاميا
فإنّ إلهَ العرش عظّم شأنَهُ‏                    ‍
                    وبَوّأهُ شأواً من المجد عاليا
فأصبح نبراساً لكلّ مُطهّرٍ                    ‍
                    ورمزاً لقومٍ يرتقون المعاليا
وتلك الثُريّا هل يُقاس بها الثرى‏                    ‍
                    وهل لحصاها أن يطال الدراريا

*  *  *

ولكنْ بذكراهُ ذكرتُ مآسياً                    ‍
                    وإن كانت الذكرى تُزيل المآسيا
ذكرتُ خطوباً ليس تُنسى على المدى‏                    ‍
                    (خطوباً لها زند الحشا ظلّ واريا)
وعادت شجىً في الحلق غصّ بها فمي                    ‍
                    فما اسطعتُ أن أهدي إليك التهانيا
تنكّرت الدنيا لآل محمّدٍ                    ‍
                    وقد صيّرت تلك التهاني تعازيا
فتبّاً لدنياً ليس يُؤمَنُ غدرُها                    ‍
                    مقاييسُها ضاعت فعادت مخازيا
وأعيادُنا فيها استحالت مآتماً                    ‍
                    وأيّامنا الغرّاءُ آبَتْ لياليا

ومن شعره ؛ قصيدة في الإمام الحسين عليه السلام بعنوان‏ «يا مُلهم الأجيال» :

يا ناصراً دين الهدى لك موقفٌ‏  ‍
للّه يومك ما أجلّ عطاءَهُ‏  ‍
يومٌ أبيتَ الضيم فيه بعزّةٍ  ‍
فأعدت للأذهان عزمة أحمدٍ  ‍
ووقفت في الميدان وقفة حيدرٍ  ‍

  قد راح يلتهم الزمان خلودا
  إذ كنت فيه شاهداً وشهيدا
  ورفضتَ أن تلوي لوغدٍ جيدا
  مُتمثّلاً إصراره المعهودا
  وأريتنا إقدامه المشهودا

*  *  *

يا مُلهم الأجيال سرّ خلودها  ‍
أنت الّذي ألهمتنا روح الإبا  ‍
أنت الّذي علّمتنا كيف الفنا  ‍
أيقنتَ أنّ اللّه أعظم قوّةٍ  ‍
فزهدت في الدنيا بكلّ نعيمها  ‍
أبصرت دار المتّقين حبيبةً  ‍
وعلمت أنّ اللّه أشرف غايةٍ  ‍
ورضيت رضوان الإله وقُربَهُ‏  


  بل عدت منها سرّها المرصودا
  وكسرت للصمت المقيت قيودا
  في اللّه كيف نرى الفناء خلودا
  فغدا بعينك ما عداه زهيدا
  ورأيت إحراز الشهادة عيدا
  فغدوت فيها مغرماً معموداً
  فسعيت فيه كادحاً مجهودا
  فمضيت مثلوج الفؤاد سعيدا


*  *  *

يا سيّد الشهداء في تأريخنا  ‍
لو جلت في آفاقهم عَلّي أرى‏  ‍
أنّى‏ وإنّي كلّما جبت السما  ‍
لا يستطيع مكابر إنكارها  ‍
يا جوهراً فرداً غدوت باُفقنا  ‍
فلقد حباك اللّه كلّ فضيلةٍ  ‍
أمّا العطاء فكنت فيه آيةً  ‍
جدّدت دين المصطفى ولصونه‏  ‍
وتوهّم الأعداء مقتل ثورةٍ  ‍
خسئ العدا لن يقتلوا بك ثورةً  ‍

  فيما أتى والدهر عاد مسودا
  ندّاً لذاتك ما وجدتُ نديدا
  حشدت أمامي من رؤاك حشودا
  حسبي علاك لمن أراد شهودا
  فيما وُهبتَ وما وهبتَ فريدا
  ومقام عزّ شامخٍ محمودا
  فيما بذلت وما عرفت حدودا
  جنّدت من دمك الزكيّ جنودا
  صعّدتَ نار كفاحها تصعيدا
  كنت الوجود لها ودُمت الجودا

*  *  *

عُذراً حسين الطهر إن كان الرثا  ‍
حاشاك أن تُرثى بوابل مدمعٍ‏  ‍
أو بالقصيد يذوب فيه شاعر  ‍
مهما تسامى في القصيد فإنّه‏  ‍
هلّا تؤبّنك الدماء بنهضةٍ  ‍
إن مات غيرك من نزيف جراحه‏  ‍
لا زلتَ مُلهمنا وأنت مغيّبٌ‏  ‍
لم نفتقدك ومن دماك حياتنا  

في يوم رزئك قاصراً محدودا
  أو زفرة تدع الجبال همودا
  ليصوغ عقد جُمانه المنضودا
  لا يستطيع إلى ذُراك صعودا
  لتُحيل جمع الظالمين حصيدا
  فنزيفُ جرحك يصنع التأبيدا
  للَّه شخصك حاضراً مفقودا
  ليس الّذي يهب الحياة فقيدا


 

 

الوثائق والإجازات